“ابها” سحر الجمال في ربوع المملكة

img

كل ينتظر الإجازة ليهرع هنا وهناك، متناسياً أن في أرضنا جنة الله على أرضه! صدقوني لقد ذهبت إلى شرق الدنيا وغربها فلم أجد مناظر ولا جوا رائقا وماء رقراقا كما في بلادنا، فلماذا يهرول بعضنا إلى خارج البلاد؟ لا أدري بالتأكيد الإجابة عندكم يا من تسكبون “الدولارات” في جيوب الآخرين!
وبمناسبة الشهر الكريم سنتحدث معا عن عالمنا الذي هو نحن والذي بداخل كل واحد منكم ولست بأحسنكم وإنما للذكريات شجون.
فدعونا ننشد الماضي الذي أضحى من الذكرى!. وخلَّف حاضرا ما زال يصخب لم ترسُ مراكبه على شاطئ. لقد كانت لنا ذكرى بذاك الربع… نحيا في خمائله، نعايش نوءه الماطر. ونرشف زهره العاطر، ونلثم تبر أحجاره، ويؤنسنا بِواديه رفيف الطير حين يطوف مسرورا برؤيانا.. ويشمخ أن بدا في عـَدْونا النشوان مرأى يمتع القطَّان والعمَّار والأهلين شيبانا وشبانا.
من منكم معي يرتشف عطرا من شذا جبال أبها وعسير؟ من منكم ليس له ذكريات في بطون الأودية وتحت ظلال الشجر، من منكم لم يطربه نقر حبات المطر على نافذته الزجاجية؟ شيء رائع حينما نسبح في عالمنا الذي أضحى من الذكرى في زخم المدينة وضجيج العربات؟!

download-copy
دعونا نسترخ لحظات ونرسل أشعة الأمل في التلاقي مع الأحبة والأهلين والسمار وكل نافذة تراصّت عليها أزاهير رياحين أمهاتنا.
دعونا نستعد ومض بارقة، تراودنا أماني لم تزل تحبو.. بأفق آهل باسق، وجوٍّ حافلٍ رائق، ورؤيا تستشف الغيب، تنشر بعض صفحاته، وتستجلي بياناته!
لأن الآتي الذي أضحى جزءا من الحاضر، لا يمكن أن يستقيم بدون الذود عن ممتلكاتنا الفكرية التي لم نعهد لها مثيلا في آداب العالم بأسره، لكننا ولله الحمد نرفل في حدائق مستعارة، تراصت على جوف النجيل المصنع ونقنع أولادنا أن تلك هي الحياة! لا يا سادتي الحياة هناك في حضن الطبيعة، الغضة، الفطرية، البكر إذا ماعاودنا الحنين إليها نبتت وأزهرت.
يا سادة أنا على يقين أنني الآن أداعب وجدانكم لأن كل واحد فيكم له معين لا ينضب من الذكريات، فهل ران عليها غبار المدينة؟ لننفضه سويا نحو وجدان أخذ من قوس قزح ألوانه وهو يتهدل على جبال أبها الصبية التي لا تشيخ. قد يقول قائل ما هذا الحنين؟ أبدا إنه واقع يزاحم الخيال.
فيا عاذلي دعني. ولا تسرف بتعنيفي وتفنيدي وتلويمي.. فقد كانت مجالسنا بذاك الشِّعب تغذية سرت في عمق تكويني. نمتْ منها مداركنا، صفتْ فيها مشاربنا، غدتْ تعلو على أجواء مجمعها أمانينا. ويكبر عبر ألفتها لنا حلم رسمناه لأيام ستغدو واقعا فينا. أليس كذلك؟!

سأروي لكم حكاية جميلة كنت حينها صغيرة وكنت ارفل مع أمي في رحاب الفضاءات الرحبة بين الغدران الصافية بعد مطرة حميدة خلفت بعدها مياها رقراقة رائقة في جوف الغدير، تجمعت الفتيات ونزلن في جوف الغدير. منظر لا مثيل له في أي من بلاد العالم. فتبزغ شمس موطننا، تعانق هامة الأشجار تتويجا وتلوينا. ترينا الضوء أحيانا، وتلفح صفحة الهامات والأعناق وقْـداً حارقا فينا. فنغدو صوب غدرانٍ ألفنا بَرْد لُجَّـتها، وتأسرنا ينابيع روينا من مناهلها، ونسبح في عبابتها. وتسترنا جوانبها وآكام عهدناها. تغالب أعين الواشين عن حُرَمٍ حرصنا أن نبالغ في تسترنا، ونأبى أن تطالع أعين الرقباء شيئاً فاتنا فينا! وتفجأنا بذاك المحفل العذريِّ عدوةُ قانصٍ عابث يريد ليكشف المحظور من ستر بوادينا! فنغدو خلفه ركضاً، نلاحقه بحصباء وأحجار.. بما طالته أيدينا.. فيهزم ذلك العربيد منسحبا.. يولِّي تاركا ما كان ينوي قنصه من ملبس نضَّته عن أجسامنا ثقة بالأمن لم نعهد له خللا بوادينا!
كان أحد الجمال التائهة في جوف الوادي، وكان يريد أن يلحق بواحدة منا لكي يقضم ما نضته حزمتها من الحطب المناخ على طرف الغدير، لم يكن هناك خلل في الأمن والأمان حتى جِمال الوادي تهاب بنات الحطب الجميلات اللائي كان الشعراء حينها ينظمون فيهن الشعر بشكل حيي وبشكل رمزي لا يجرح كبرياء إحداهن أو عائلاتهن لكن فصاحة العربي منهم تفقه كنه قصيدته فيرد عليه بما هو أشرس وأدهى من فصاحة القول وعذب المعنى في مباريات لاتنتهي إلا بانسحاب أحدهم وهزيمة الآخر.
ولنذهب معا إلى عامل البئر، وقد رصدته في إحدى أبحاثي بأنه ظاهرة مسرحية، لان به نصا ومكانا ومشاهدين وصراعا من معاناة ما يلاقيه الشاعر وهو عامل البئر (وهي ركائز العرض المسرحي إن جاز التعبير) فيرتجل أبياتا تصبح فيما بعد حِكما متوارثة.1-copy

الناس متراصون حول (المنحى) يبكون من فرط الشجن. فثمة عامل كادح يدير هناك سانيةً وينشد بين ثوريه غناء مشجيا آسر. تجمع في روافده وحول البئر ماء حافل غامر. وكنز من معين الخير، ساقته الغيوم الغر، تمريه يد الأنواء، تجمعه بجوف البئر ذخرا حافلا مائر. فتنثر من رحيق الطهر زرعا ممرعا وافر، وزهرا ذا شذا عاطر، فيضفي العطر والأنغام والأصداء دوما في ربى الوادي الأثير الحلو طابع فتنة ساحر!
وبعد هذا وذاك ألا زلنا نطمح في السفر إلى أرض ليست أرضنا ولغة غير لغتنا؟ لا والله إن بلادنا أولى بكل قرش نصبه في جيوب الغرباء، وأبناؤنا أولى أن نزرع فيهم هذا الجمال الحر الطليق ليكبر معهم كما كبر معنا.

الكاتب mohsyd

mohsyd

مواضيع متعلقة

اترك رداً